فصل: الحدود كفّارات للذّنوب

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الموسوعة الفقهية الكويتية ****


حدود

التّعريف

1 - الحدود جمع حدّ، وهو في اللّغة المنع، ومنه سمّي كلّ من البوّاب والسّجّان حدّادا، لمنع الأوّل من الدّخول، والثّاني من الخروج‏.‏ وسمّي المعرّف للماهيّة حدّا، لمنعه من الدّخول والخروج‏.‏ وحدود اللّه تعالى محارمه، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏تلك حدود اللّه فلا تقربوها‏}‏‏.‏

والحدّ في الاصطلاح‏:‏ عقوبة مقدّرة وجبت حقّا للّه تعالى، وعرّفه الشّافعيّة والحنابلة بأنّه عقوبة مقدّرة على ذنب وجبت حقّا للّه تعالى كما في الزّنى، أو اجتمع فيها حقّ اللّه وحقّ العبد كالقذف فليس منه التّعزير لعدم تقديره، ولا القصاص لأنّه حقّ خالص لآدميّ‏.‏ وعند بعض الفقهاء‏:‏ هو عقوبة مقدّرة بتقدير الشّارع، فيدخل القصاص‏.‏ ويطلق لفظ الحدّ على جرائم الحدود مجازا، فيقال‏:‏ ارتكب الجاني حدّا، ويقصد أنّه ارتكب جريمة ذات عقوبة مقدّرة شرعا‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

أ - القصاص‏:‏

2 - القصاص لغة المماثلة، واصطلاحا‏:‏ أن يوقع على الجاني مثل ما جنى كالنّفس بالنّفس والجرح بالجرح‏.‏ ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب‏}‏ وقوله تعالى ‏{‏كتب عليكم القصاص في القتلى الحرّ بالحرّ‏}‏‏.‏ فالقصاص غير الحدّ لأنّه عقوبة مقدّرة وجبت حقّا للعباد‏.‏

ب - التّعزير‏:‏

3 - أصله من العزر وهو في اللّغة بمعنى الرّدّ والمنع، وذلك لأنّه يمنع من معاودة القبيح، ويطلق أيضا على التّفخيم والتّعظيم، ومنه قوله تعالى ‏{‏وتعزّروه وتوقّروه‏}‏، فهو من الأضداد‏.‏ وشرعا‏:‏ تأديب دون الحدّ، فالتّعزير في بعض إطلاقاته اللّغويّة حدّ‏.‏ وأمّا في الشّرع فليس بحدّ، لأنّه ليس بمقدّر‏.‏

ج - العقوبة‏:‏

4 - العقوبة من عاقبت اللّصّ معاقبة وعقابا، والاسم العقوبة، وهي الألم الّذي يلحق الإنسان مستحقّا على الجناية، ويكون بالضّرب، أو القطع، أو الرّجم، أو القتل، سمّي بها لأنّها تتلو الذّنب من تعقّبه إذا تبعه، فالعقوبة أعمّ من الحدود‏.‏

د - الجناية‏:‏

5 - الجناية لغة‏:‏ اسم لما يكتسب من الشّرّ، وشرعا‏:‏ اسم لفعل محرّم وقع على مال أو نفس‏.‏ فبين الجناية والحدّ على الإطلاق المجازيّ عموم وخصوص من وجه إذ كلّ حدّ جناية وليس كلّ جناية حدّا، وأمّا على الإطلاق الأوّل فبينهما تباين‏.‏

الحكم التّكليفيّ

6 - إقامة الحدود فرض على وليّ الأمر ودليل ذلك الكتاب والسّنّة والإجماع، والمعقول‏.‏ أمّا الكتاب فمنه قوله تعالى في الزّنى‏:‏ ‏{‏الزّانية والزّاني فاجلدوا كلّ واحد منهما مائة جلدة‏}‏‏.‏ وفي السّرقة ‏{‏والسّارق والسّارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا‏}‏ الآية وفي حدّ القذف‏:‏ ‏{‏والّذين يرمون المحصنات ثمّ لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ وفي قطع الطّريق‏:‏ ‏{‏إنّما جزاء الّذين يحاربون اللّه ورسوله، ويسعون في الأرض فسادا أن يقتّلوا أو يصلّبوا‏}‏ الآية‏.‏ وأمّا السّنّة‏:‏ فحديث ماعز والغامديّة، والعسيف وغيرها من الأحاديث المشهورة‏.‏ وقد وقع الإجماع على وجوب إقامة الحدود‏.‏ وأمّا المعقول‏:‏ فهو أنّ الطّباع البشريّة، والشّهوة النّفسانيّة مائلة إلى قضاء الشّهوة، واقتناص الملاذ، وتحصيل مقصودها ومحبوبها من الشّرب والزّنى والتّشفّي بالقتل وأخذ مال الغير، والاستطالة على الغير بالشّتم والضّرب، فاقتضت الحكمة شرع هذه الحدود حسما لهذا الفساد، وزجرا عن ارتكابه، ليبقى العالم على نظم الاستقامة، فإنّ إخلاء العالم عن إقامة الزّاجر يؤدّي إلى انحرافه، وفيه من الفساد ما لا يخفى‏.‏ ولذا قال صاحب الهداية‏:‏ والمقصد الأصليّ من شرعه الانزجار عمّا يتضرّر به العباد‏.‏

أنواع الحدود

7 - اتّفق الفقهاء على أنّ ما يطبّق على جريمة كلّ من الزّنى والقذف، والسّكر، والسّرقة، وقطع الطّريق يعتبر حدّا، واختلفوا فيما وراء ذلك‏.‏ فذهب الحنفيّة إلى أنّها ستّة، وذلك بإضافة حدّ الشّرب للخمر خاصّة‏.‏ ويرى المالكيّة أنّ الحدود سبعة، فيضيفون إلى المتّفق عليه الرّدّة والبغي، في حين يعتبر بعض الشّافعيّة القصاص أيضا من الحدود، حيث قالوا‏:‏ الحدود ثمانية وعدّوه بينها‏.‏ واعتبر المالكيّة والشّافعيّة قتل تارك الصّلاة عمدا من الحدود

أوجه الخلاف بين الحدّ والقصاص

8 - أ - يرى جمهور الفقهاء أنّ الإمام لا يقضي بعلمه في الحدود بخلاف القصاص‏.‏

ب - لا تورث الحدود في الجملة، وأمّا القصاص فيورث‏.‏ وفي حدّ القذف خلاف ينظر في ‏(‏القذف‏)‏‏.‏

ج - لا يصحّ العفو في الحدود في الجملة بخلاف القصاص‏.‏

د - التّقادم لا يمنع من الشّهادة بالقتل في القصاص بخلاف الحدود عند بعض الفقهاء، سوى حدّ القذف‏.‏

هـ - يثبت القصاص بالإشارة والكتابة من الأخرس بخلاف الحدود‏.‏

و - لا تجوز الشّفاعة في الحدود، وتجوز في القصاص‏.‏

ز - لا تتوقّف الحدود - ما عدا حدّ القذف - على الدّعوى بخلاف القصاص‏.‏ ح - يجوز الرّجوع عن الإقرار في الحدود ولا تجوز في القصاص‏.‏ ومردّ ذلك كلّه أنّ الحدود حقّ اللّه تعالى بخلاف القصاص، فإنّه حقّ للعبد، والتّفصيل في أبواب الحدود من كتب الفقه، ‏(‏و ر‏:‏ قصاص‏)‏‏.‏

أوجه الخلاف بين التّعزير والحدود

9 - يختلف التّعزير عن الحدود في أمور يرجع إليها في مصطلح‏:‏ ‏(‏تعزير‏)‏‏.‏

تداخل الحدود

10 - اتّفق الفقهاء على أنّ ما يوجب الحدّ من الزّنى والسّرقة، والقذف ‏(‏إذا وقع على شخص واحد‏)‏ وشرب الخمر إذا تكرّر قبل إقامة الحدّ، أجزأ حدّ واحد بغير خلاف، وبه قال عطاء والزّهريّ، وإسحاق، وأبو ثور وابن المنذر‏.‏ أمّا إذا وقع القذف على أكثر من واحد ففيه خلاف وتفصيل، ينظر في مصطلح‏:‏ ‏(‏قذف‏)‏‏.‏ والأصل قاعدة‏:‏ إذا اجتمع أمران من جنس واحد، ولم يختلف مقصودهما، دخل أحدهما في الآخر غالبا، وعلى هذا فيكتفى بحدّ واحد لجنايات اتّحد جنسها بخلاف ما اختلف جنسها، لأنّ المقصود من إقامة الحدّ هو الزّجر وأنّه يحصل بحدّ واحد‏.‏ وإن أقيم عليه الحدّ، ثمّ حدثت منه جناية أخرى ففيها حدّها، لعموم النّصوص ولوجود الموجب، ولما روي ‏{‏أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم سئل عن الأمة تزني قبل أن تحصن قال‏:‏ إن زنت فاجلدوها، ثمّ إن زنت فاجلدوها، ثمّ إن زنت فاجلدوها‏}‏‏.‏ ولأنّ تداخل الحدود إنّما يكون مع اجتماعها، وهذا الحدّ الثّاني وجب بعد سقوط الأوّل باستيفائه‏.‏ وفي حالة اجتماع الحدود المختلفة كما لو زنى، وسرق وشرب الخمر، أو اجتماعها مع القصاص والتّعزير خلاف وتفصيل يرجع إليه في مصطلح‏:‏ ‏(‏تداخل‏)‏ ‏(‏وتعزير‏)‏‏.‏

عدم جواز الشّفاعة في الحدود

11 - لا خلاف بين جمهور الفقهاء في أنّه لا تجوز الشّفاعة في الحدود بعد وصولها للحاكم، والثّبوت عنده، لأنّه طلب ترك الواجب، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم ‏{‏أنكر على أسامة بن زيد حين شفع في المخزوميّة الّتي سرقت، فقال‏:‏ أتشفع في حدّ من حدود اللّه تعالى‏}‏‏.‏ وقال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما‏:‏ من حالت شفاعته دون حدّ من حدود اللّه تعالى فقد ضادّ اللّه في خلقه‏.‏ وأمّا قبل الوصول إليه، فعند جمهور الفقهاء تجوز الشّفاعة عند الرّافع له إلى الحاكم ليطلقه، لأنّ وجوب الحدّ قبل ذلك لم يثبت‏.‏ فالوجوب لا يثبت بمجرّد الفعل‏.‏ وقال مالك‏:‏ إن عرف بشرّ وفساد فلا أحبّ أن يشفع له أحد، ولكن يترك ليقام عليه الحدّ‏.‏

أثر التّوبة على الحدود

12 - لا خلاف بين الفقهاء في أنّ حدّ قطّاع الطّريق والرّدّة يسقطان بالتّوبة إذا تحقّقت توبة القاطع قبل القدرة عليه، وكذلك حدّ ترك الصّلاة عند من اعتبره حدّا، وذلك لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إلاّ الّذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم، فاعلموا أنّ اللّه غفور رحيم‏}‏‏.‏ وذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ بقيّة الحدود بعد رفعها إلى الحاكم لا تسقط بالتّوبة، أمّا قبل ذلك‏:‏ فذهب الحنفيّة والشّافعيّة في مقابل الأظهر، والحنابلة في رواية إلى أنّ الحدّ يسقط بالتّوبة‏.‏ وذهب المالكيّة والشّافعيّة في الأظهر، والحنابلة في رواية أخرى إلى أنّه لا يسقط بالتّوبة ولو كان قبل الرّفع إلى الإمام‏.‏ لئلاّ يتّخذ ذلك ذريعة إلى إسقاط الحدود والزّواجر‏.‏

سقوط الحدود بالشّبهة

13 - أجمع الفقهاء على أنّ الحدود تدرأ بالشّبهات‏.‏ والشّبهة ما يشبه الثّابت وليس بثابت، سواء كانت في الفاعل‏:‏ كمن وطئ امرأة ظنّها حليلته‏.‏ أو في المحلّ‏:‏ بأن يكون للواطئ فيها ملك أو شبهة ملك كالأمة المشتركة‏.‏ أو في الطّريق‏:‏ بأن يكون حراما عند قوم، حلالا عند آخر‏.‏ وفي الموضوع تفصيل يرجع إلى ‏"‏ شبهة»‏.‏ والأصل في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏ادرءوا الحدود بالشّبهات‏}‏ وفي حديث عائشة رضي الله تعالى عنها‏:‏ ‏{‏ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلّوا سبيله، فإنّ الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة‏}‏‏.‏ والحديث المرويّ في ذلك متّفق عليه، وتلقّته الأمّة بالقبول‏.‏

سقوط الحدود بالرّجوع عن الإقرار

14 - إذا ثبتت الحدود بالإقرار، فلا خلاف بين جمهور الفقهاء في أنّها تسقط بالرّجوع، إذا كان الحدّ حقّا للّه تعالى‏.‏ والحدود تندرئ بالشّبهات، لما روي أنّ ماعزا لمّا أقرّ بين يدي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بالزّنى، لقّنه الرّجوع، فلو لم يكن محتملا للسّقوط بالرّجوع ما كان للتّلقين فائدة‏.‏ ولأنّه يورث الشّبهة، والرّجوع عن الإقرار قد يكون نصّا، وقد يكون دلالة، بأن يأخذ النّاس في رجمه، فيهرب ولا يرجع، أو يأخذ الجلّاد في الجلد فيهرب، ولا يرجع، فلا يتعرّض له، لأنّ الهرب في هذه الحالة دلالة الرّجوع‏.‏ واستثنوا حدّ القذف، فإنّه لا يسقط بالرّجوع، لأنّه حقّ العبد، وهو لا يحتمل السّقوط بالرّجوع بعدما ثبت كالقصاص‏.‏ وإذا ثبت الحدّ بالبيّنة أو الحمل في الزّنى - عند من يقول به - لم يسقط بالرّجوع‏.‏ ويسقط الحدّ برجوع الشّهود كلّهم أو بعضهم إذا كان الباقي أقلّ من النّصاب بعد القضاء، قبل الإمضاء‏.‏ وتفصيل ذلك في ‏"‏ كتاب الشّهادات ‏"‏ من كتب الفقه‏.‏

سقوط الحدود بموت الشّهود

15 - يسقط حدّ الرّجم خاصّة بموت الشّهود - عند من يشترطون لإقامة الحدّ البداية بالشّهود وهم الحنفيّة - لأنّ بالموت قد فاتت البداية على وجه لا يتصوّر عوده، فسقط الحدّ ضرورة‏.‏

سقوط الحدود بالتّكذيب وغيره

16 - تكذيب المزنيّ بها للمقرّ بالزّنى قبل إقامة الحدّ عليه، وتكذيب المقذوف شهوده على القذف، وهي البيّنة بأن يقول‏:‏ شهودي زور، وادّعاء النّكاح والمهر قبل إقامة حدّ الزّنى تعتبر من مسقطات الحدود عند الحنفيّة، وقد فصّلت في أبوابها‏.‏ و ‏(‏ر‏:‏ زنى، قذف‏)‏‏.‏

عدم إرث الحدود

17 - لا خلاف بين جمهور الفقهاء في أنّ الحدود لا تورث، وكذا لا يؤخذ عنها عوض، ولا صلح فيها ولا عفو، لأنّها حقّ الشّرع‏.‏ واستثنى الشّافعيّة حدّ القذف، لأنّ الغالب فيه عندهم حقّ العبد فيورث ويصحّ العفو عنه‏.‏ والحنابلة مع الشّافعيّة في جواز العفو عن حدّ القذف‏.‏ واختلفت الرّوايات عن مالك في ذلك‏:‏ فقال في رواية‏:‏ له العفو ما لم يبلغ الإمام، فإن بلغه فلا عفو، وفي رواية أخرى عنه‏:‏ قال‏:‏ له العفو مطلقا، بلغ ذلك الإمام أو لم يبلغ‏.‏ وتفصيل ذلك في ‏(‏قذف‏)‏‏.‏

التّلف بسبب الحدّ

18 - لا خلاف بين الفقهاء في أنّ الحدود إذا أتي بها على الوجه المشروع من غير زيادة أنّه لا يضمن من تلف بها، وذلك لأنّه فعلها بأمر اللّه وأمر رسوله، فلا يؤاخذ به، ولأنّه نائب عن اللّه تعالى، ومأمور بإقامة الحدّ، وفعل المأمور لا يتقيّد بشرط السّلامة‏.‏ وإن زاد على الحدّ فتلف وجب الضّمان بغير خلاف‏.‏

الحدود كفّارات للذّنوب

19 - يرى جمهور الفقهاء أنّ الحدّ المقدّر في ذنب كفّارة لذلك الذّنب، وعند الحنفيّة، الحدّ غير مطهّر، بل المطهّر التّوبة، فإذا حدّ ولم يتب يبقى عليه إثم المعصية عندهم، كما قال اللّه تعالى في حدّ قطّاع الطّريق‏:‏ ‏{‏ذلك لهم خزي في الدّنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم‏}‏‏.‏

الإثبات في الحدود

20 - لا خلاف بين الفقهاء في أنّ الحدود تثبت بالبيّنة أو الإقرار عند استجماع شرائطهما، واختلفوا فيما وراء ذلك كعلم الإمام وقرينة الحبل وغيرهما‏:‏

أوّلا - البيّنة وشروطها في الحدود‏:‏ تنقسم شروط البيّنة إلى قسمين‏:‏

1 - ما يعمّ الحدود كلّها‏:‏

21 - وهي الذّكورة عند الأئمّة الأربعة، فلا تقبل شهادة النّساء في الحدود‏.‏ والأصالة عند الحنفيّة وهو الرّاجح عند الشّافعيّة والمذهب لدى الحنابلة، فلا تقبل الشّهادة على الشّهادة، ولا كتاب القاضي إلى القاضي، لتمكّن زيادة شبهة فيها، والحدود تدرأ بالشّبهات‏.‏ ويرى المالكيّة والشّافعيّة في قول عدم اشتراط الأصالة، وهذا إذا تعذّر أداء الشّهادة من الشّاهد الأوّل لمرض أو غيبة أو موت‏.‏ وتفصيل ذلك في مصطلح‏:‏ ‏(‏شهادة‏)‏‏.‏

ما تختصّ به بعض الحدود

أ - ‏(‏عدد الأربعة‏)‏‏:‏

22 - اتّفق الفقهاء على أنّه يشترط في حدّ الزّنى أن لا يقلّ عدد الشّهود عن أربعة لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏واللّاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهنّ أربعة منكم‏}‏‏.‏ ‏{‏وقال سعد بن عبادة لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ يا رسول اللّه‏:‏ إن وجدت مع امرأتي رجلا أأمهله حتّى آتي بأربعة شهداء ‏؟‏، قال‏:‏ نعم‏}‏‏.‏

ب - ‏(‏اتّحاد المجلس‏)‏‏:‏

23 - ذهب الجمهور ‏(‏الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة‏)‏ إلى أنّه لا بدّ أن يكون الشّهود مجتمعين في مجلس واحد عند أداء الشّهادة، فإن جاءوا متفرّقين يشهدون واحدا بعد واحد، لا تقبل شهادتهم، ويحدّون وإن كثروا‏.‏ ويرى الشّافعيّة أنّه لا يشترط ذلك لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ ولم يذكر المجالس، وإليه ذهب ابن المنذر والبتّيّ‏.‏

ج - ‏(‏عدم التّقادم‏)‏‏:‏

24 - يرى المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة‏:‏ أنّ الشّهود لو شهدوا بزنى قديم، وجب الحدّ، لعموم الآية‏.‏ ولأنّ التّأخير يجوز أن يكون لعذر أو غيبة، والحدّ لا يسقط بمطلق الاحتمال، فإنّه لو سقط بكلّ احتمال لم يجب حدّ أصلا‏.‏ وذهب الحنفيّة إلى أنّ عدم التّقادم في البيّنة شرط، وذلك في حدّ الزّنى والسّرقة وشرب الخمر، وليس بشرط في حدّ القذف، وذكر ابن أبي موسى أنّه مذهب لأحمد‏.‏ ووجه ذلك‏:‏ أنّ الشّاهد إذا عاين الجريمة فهو مخيّر بين أداء الشّهادة حسبة للّه تعالى‏:‏ ‏{‏وأقيموا الشّهادة للّه‏}‏ وبين السّتر على أخيه المسلم لقوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏{‏من ستر مسلما ستره اللّه يوم القيامة‏}‏ فلمّا لم يشهد على فور المعاينة دلّ ذلك على اختيار جهة السّتر، فإذا شهد بعد ذلك دلّ على أنّ الضّغينة حملته على ذلك، فلا تقبل شهادته، لما روي عن عمر رضي الله عنه أنّه قال‏:‏ أيّما قوم شهدوا على حدّ لم يشهدوا عند حضرته، فإنّما شهدوا عن ضغن، ولا شهادة لهم، ولم ينقل أنّه أنكر عليه أحد، فيكون إجماعا‏.‏ ولأنّ التّأخير والحالة هذه يورث تهمة، ولا شهادة للمتّهم‏.‏ وهناك تفصيلات وشروط فيها خلاف ينظر في ‏(‏شهادة‏)‏ ‏(‏وزنى‏)‏‏.‏

ثانيا - الإقرار‏:‏

25 - شروط الإقرار في الحدود قسمان‏:‏ شروط تعمّ الحدود كلّها‏:‏ وهي البلوغ والعقل والنّطق، فلا يصحّ إقرار الصّبيّ، لأنّ سبب وجوب الحدّ لا بدّ أن يكون جناية، وفعل الصّبيّ لا يوصف بكونه جناية‏.‏ وكذلك لا بدّ أن يكون الإقرار بالخطاب والعبارة دون الكتاب والإشارة، لأنّ الشّرع علّق وجوب الحدّ بالبيان المتناهي، ولذلك لو أقرّ بالوطء الحرام لا يقام عليه الحدّ ما لم يصرّح بالزّنى‏.‏ ويقبل إقرار الأخرس بالإشارة المفهمة عند الحنابلة والشّافعيّة ولا تقبل عند الحنفيّة والمالكيّة وهو احتمال للخرقيّ من الحنابلة وتفصيله في‏:‏ ‏(‏إقرار‏)‏‏.‏

شروط تخصّ بعض الحدود منها

أ - ‏(‏تكرار الإقرار‏)‏‏:‏

26 - ذهب الحنفيّة والحنابلة إلى أنّه يشترط أن يقرّ الزّاني أو الزّانية أربع مرّات، وبهذا قال الحكم وابن أبي ليلى وإسحاق‏.‏ ويرى المالكيّة والشّافعيّة أنّ تكرار الإقرار ليس بشرط، ويكتفى بإقراره مرّة واحدة، وبه قال الحسن وحمّاد وأبو ثور والطّبريّ وابن المنذر وجماعة‏.‏ لأنّ الإقرار إنّما صار حجّة في الشّرع لرجحان جانب الصّدق فيه على جانب الكذب، وهذا المعنى عند التّكرار والتّوحيد سواء، ولأنّ الرّسول صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏{‏اغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها‏}‏ فعلّق الرّجم على مجرّد الاعتراف‏.‏ واستدلّ الحنفيّة والحنابلة بما روي ‏{‏أنّ ماعزا جاء إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فأقرّ بالزّنى، فأعرض عنه النّبيّ صلى الله عليه وسلم بوجهه الكريم إلى الأربع‏}‏، فلو كان الإقرار مرّة موجبا للحدّ لما أخّره إلى الأربع‏.‏

ب - ‏(‏اشتراط عدد المجالس‏)‏‏:‏

27 - اختلف في اشتراط عدد مجالس الإقرار عند من اشترط تكراره، وكون الإقرار بين يدي الإمام، وكون الزّاني والمزنيّ بها ممّن يقدر على دعوى الشّبهة، وكون الزّاني ممّن يتصوّر منه وجود الزّنى، وفي ذلك تفصيل ذكر في كلّ حدّ من الحدود وفي مصطلح‏:‏ ‏(‏إقرار‏)‏‏.‏

أثر علم الإمام أو نائبه في الحدود

28 - ذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة والشّافعيّة في قول‏:‏ إلى أنّه ليس للإمام أو نائبه إقامة الحدّ بعلمه، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فاستشهدوا عليهنّ أربعة منكم‏}‏ وقال أيضا‏:‏ ‏{‏فإذ لم يأتوا بالشّهداء فأولئك عند اللّه هم الكاذبون‏}‏ وبه قال أبو بكر الصّدّيق رضي الله عنه‏.‏ وقال الشّافعيّة في قول آخر‏:‏ له إقامته بعلمه، وهو قول أبي ثور‏.‏ لأنّه إذا جازت له إقامته بالبيّنة والاعتراف الّذي لا يفيد إلاّ الظّنّ، فما يفيد العلم هو أولى‏.‏

مدى ثبوت الحدود بالقرائن

29 - تختلف القرائن المعتبرة في الحدود - عند من يقول بها - من حدّ لآخر‏.‏ فالقرينة المعتبرة في الزّنى‏:‏ هي ظهور الحمل في امرأة غير متزوّجة أو لا يعرف لها زوج‏.‏ والقرينة في الشّرب‏:‏ الرّائحة، والقيء، والسّكر، ووجود الخمر عند المتّهم، وفي السّرقة وجود المال المسروق عند المتّهم، ووجود أثر للمتّهم في موضع السّرقة وغير ذلك، وفي كلّ اختلف الفقهاء على أقوال فصّلت في مواطنها، وتنظر في كلّ حدّ من الحدود وفي مصطلح‏:‏ ‏(‏قرينة‏)‏‏.‏

أنواع الحدود

الحدود الشّرعيّة هي‏:‏

أ - الرّجم‏:‏

30 - الرّجم ثابت بالنّصّ والإجماع والمعقول، ولا خلاف بين الفقهاء في أنّه يجب على الزّاني إذا كان محصنا، وتفصيل ذلك في مصطلح‏:‏ ‏(‏زنى ورجم‏)‏‏.‏

ب - الجلد‏:‏

31 - اتّفق الفقهاء على أنّ عقوبة الزّاني البكر مائة جلدة، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏الزّانية والزّاني فاجلدوا كلّ واحد منهما مائة جلدة‏}‏‏.‏ واختلفوا في الجمع بين الرّجم والجلد في عقوبة الزّاني المحصن، فذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ الجلد لا يجتمع مع الرّجم، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم رجم ماعزا والغامديّة وغيرهما، ولم يرد أنّه جلد واحدا منهم، ولأنّ الحدّ إنّما وضع للزّجر، ولا تأثير للزّجر بالضّرب مع الرّجم، واختار هذا من الحنابلة أبو إسحاق الجوزجانيّ وأبو بكر الأثرم‏.‏ ويرى الحنابلة في رواية أنّ الجلد يجتمع مع الرّجم وبه قال الحسن البصريّ وإسحاق، فيجلد الزّاني المحصن أوّلا، ثمّ يرجم، واستدلّوا بحديث عبادة قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏الثّيّب بالثّيّب جلد مائة والرّجم‏}‏‏.‏ وبفعل عليّ رضي الله عنه، وهو أنّه جلد شراحة يوم الخميس ثمّ رجمها يوم الجمعة، ثمّ قال جلدتها بكتاب اللّه، ورجمتها بسنّة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏.‏ وبه قال ابن عبّاس وأبيّ بن كعب، وأبو ذرّ، وإليه ذهب إسحاق وابن المنذر‏.‏ وكذلك اتّفقوا على أنّ الجلد عقوبة القذف والشّرب، ثمّ اختلفوا في مقداره في الشّرب وينظر تفصيله في أبوابه من كتب الفقه، ‏(‏و ر‏:‏ قذف‏)‏ ‏(‏وشرب‏)‏‏.‏

ج - التّغريب‏:‏

32 - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه يجتمع مع الجلد تغريب الزّاني البكر، فالتّغريب عندهم يعتبر حدّا كالجلد، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة‏}‏، وروي ذلك أيضا عن الخلفاء الرّاشدين، وبه قال ابن مسعود، وابن عمر رضي الله عنهما، وإليه ذهب عطاء وطاوس، والثّوريّ، وابن أبي ليلى والأوزاعيّ، وإسحاق وأبو ثور‏.‏ إلاّ أنّ المالكيّة يفرّقون بين الرّجل والمرأة، فيقولون بتغريب الرّجل دون المرأة، لأنّ المرأة محتاجة إلى حفظ وصيانة، فلا يجوز تغريبها إلاّ بمحرم، وهو يفضي إلى تغريب من ليس بزان، ونفي من لا ذنب له، ولأنّها عورة، وفي نفيها تضييع لها وتعريضها للفتنة، ولهذا نهيت عن السّفر مع غير محرم‏.‏ ويرى الحنفيّة أنّ التّغريب ليس واجبا، وليس حدّا كالجلد، وإنّما هي عقوبة تعزيريّة يجوز للإمام أن يجمع بينه وبين الجلد إن رأى في ذلك مصلحة، لأنّ عليّا رضي الله عنه قال‏:‏ حسبهما من الفتنة أن ينفيا‏.‏ وعن ابن المسيّب أنّ عمر رضي الله عنه غرّب ربيعة بن أميّة بن خلف في الخمر إلى خيبر، فلحق بهرقل فتنصّر، فقال عمر رضي الله عنه لا أغرّب مسلما بعد هذا أبدا، ولأنّ اللّه تعالى أمر بالجلد دون التّغريب، فإيجاب التّغريب زيادة على النّصّ‏.‏ ويرجع لتفصيل ذلك إلى موطنه من كتب الفقه‏.‏ و ‏(‏ر‏:‏ زنى‏)‏ ‏(‏وتغريب‏)‏‏.‏

د - القطع‏:‏

33 - لا خلاف بين الفقهاء في أنّ السّرقة موجبة للقطع بالنّصّ، والإجماع‏.‏ أمّا النّصّ‏:‏ فقوله تعالى‏:‏ ‏{‏والسّارق والسّارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من اللّه‏}‏‏.‏ ولقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا‏}‏‏.‏ وأجمع المسلمون على وجوب قطع السّارق في الجملة، واختلفوا في محلّ القطع وموضعه وغير ذلك والتّفصيل في ‏"‏ سرقة»‏.‏ وكذلك يقطع المحارب من خلاف إذا أخذ المال ولم يقتل عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة وبه قال ابن المنذر‏.‏ ويرى المالكيّة أنّ الإمام مخيّر في عقابه بأيّة عقوبة جاءت بها آية المحاربة ما عدا النّفي، فلا تخيير فيه، وينظر التّفصيل في ‏(‏حرابة‏)‏‏.‏

هـ - القتل والصّلب‏:‏

34 - إذا قتل المحارب وأخذ المال فإنّه يقتل ويصلب، قال ابن المنذر‏:‏ أجمع على هذا كلّ من نحفظ عنه من أهل العلم، وروي أيضا عن عمر، وبه قال سليمان بن موسى الزّهريّ‏.‏ وإذا قتل ولم يأخذ المال فإنّه يقتل ولا يصلب، وفي رواية عن أحمد يصلب، لأنّه محارب يجب قتله، فيصلب كالّذي أخذ المال‏.‏ وينظر التّفصيل في ‏(‏تصليب‏)‏‏.‏ والقتل كذلك عقوبة حدّيّة للرّدّة بالنّسبة للرّجل‏.‏ والمرأة كالرّجل عند جمهور الفقهاء، لقوله صلى الله عليه وسلم ‏{‏من بدّل دينه فاقتلوه‏}‏ روي ذلك عن أبي بكر وعليّ رضي الله تعالى عنهما، وبه قال الحسن، والزّهريّ، والنّخعيّ، ومكحول، وحمّاد، واللّيث، والأوزاعيّ وإسحاق‏.‏ ويرى الحنفيّة أنّ المرأة لا تقتل بالرّدّة، بل تجبر على الإسلام بالحبس والضّرب، لأنّ الرّسول صلى الله عليه وسلم ‏{‏نهى عن قتل المرأة الكافرة‏}‏‏.‏ ولأنّها لا تقتل بالكفر الأصليّ، فلا تقتل بالطّارئ كالصّبيّ‏.‏ وفي قتل البغاة، وهم المحاربون على التّأويل خلاف وتفصيل ينظر في مصطلح‏:‏ ‏(‏بغي‏)‏‏.‏

شروط وجوب الحدّ

35 - لا خلاف بين الفقهاء في أنّ الحدّ لا يجب إلاّ على مكلّف، وهو العاقل البالغ، لأنّه إذا سقط التّكليف عن غير العاقل البالغ في العبادات، وسقط الإثم عنه في المعاصي، فالحدّ المبنيّ على الدّرء بالشّبهات أولى‏.‏ وأمّا الإسلام فالأصل عند أبي حنيفة أنّ الحدود تقام على الذّمّيّين ولا تقام على مستأمن، إلاّ حدّ القذف فيقام عليه باتّفاق فقهاء الحنفيّة‏.‏ ولا يقام على الكافر حدّ الشّرب عندهم‏.‏ وفي حدّ الزّنى تفصيل‏:‏ قال أبو حنيفة‏:‏ إذا زنى الحربيّ ‏(‏المستأمن‏)‏ بذمّيّة تحدّ الذّمّيّة ولا يحدّ الحربيّ‏.‏ وإذا زنى ذمّيّ بمستأمنة يحدّ الذّمّيّ ولا تحدّ المستأمنة‏.‏ وقال أبو يوسف كلاهما يحدّان‏.‏ وقال محمّد في الصّورة الأولى‏:‏ لا تحدّ الذّمّيّة أيضا لأنّ المرأة تابعة للرّجل فامتناع الحدّ في حقّ الأصل يوجب امتناعه في حقّ الفرع‏.‏ وتفصيل كلّ حدّ في مصطلحه‏.‏ وذهب المالكيّة إلى أنّ الكافر يقام عليه حدّ القذف والسّرقة والقتل ولا يسقط عنه بإسلامه‏.‏ أمّا حدّ الزّنى فإنّه يؤدّب فيه فقط ولا يقام عليه الحدّ إلاّ إذا اغتصب امرأة مسلمة فإنّه يقتل لنقضه العهد‏.‏ وكذلك لو ارتكب جريمة اللّواط فإنّه يرجم‏.‏ ولا حدّ عليه في شرب الخمر‏.‏ وقال الشّافعيّة‏:‏ يستوفى من الذّمّيّ ما ثبت ولو حدّ زنى أو قطع سرقة، ولا يحدّ بشرب خمر لقوّة أدلّة حلّه في عقيدتهم‏.‏ ولا يشترط في إحصان الرّجم أن يكون مسلما‏.‏ ولا يقام على المستأمن حدّ الزّنى على المشهور عند الشّافعيّة‏.‏ ويحدّ الكافر حدّ القذف ذمّيّا كان أو معاهدا‏.‏ وتفصيل كلّ حدّ في مصطلحه‏.‏ وعند الحنابلة إذا رفع إلى الحاكم من أهل الذّمّة من فعل محرّما يوجب عقوبة ممّا هو محرّم عليهم في دينهم كالزّنى والسّرقة والقذف والقتل فعليه إقامة حدّه عليه لما روى ابن عمر ‏{‏أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أتي بيهوديّين فجرا بعد إحصانهما فأمر بهما فرجما‏}‏‏.‏ وإن كان يعتقد إباحته كشرب خمر لم يحدّ، وإن تحاكم مسلم وذمّيّ وجب الحكم بينهم بغير خلاف‏.‏ ويقطع الذّمّيّ بالسّرقة‏.‏ وكذلك المستأمن‏.‏ وقال ابن حامد‏:‏ لا يقطع المستأمن‏.‏ وقد نصّ أحمد على أنّه لا يقام حدّ الزّنى على المستأمن‏.‏ ودليل وجوب القطع أنّه حدّ يطالب به، فوجب عليه كحدّ القذف‏.‏ ولا يجب الحدّ إلاّ على من علم التّحريم، وبهذا قال عامّة أهل العلم، لقول عمر وعثمان وعليّ رضي الله عنهم‏:‏ لا حدّ إلاّ على من علمه‏.‏ فإن ادّعى الزّاني الجهل بالتّحريم وكان يحتمل أن يجهله كحديث العهد بالإسلام، قبل منه، لأنّه يجوز أن يكون صادقا، وإن كان ممّن لا يخفى عليه كالمسلم النّاشئ بين المسلمين، لم يقبل منه، لأنّ تحريم الزّنى لا يخفى على من هو كذلك ‏(‏كما أجمع أهل العلم على أنّه لا حدّ على مكرهة‏)‏‏.‏ وروي ذلك عن عمر رضي الله عنه والزّهريّ، وقتادة، والثّوريّ لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصّنا لتبتغوا عرض الحياة الدّنيا ومن يكرههنّ فإنّ اللّه من بعد إكراههنّ غفور رحيم‏}‏‏.‏ ولقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏إنّ اللّه وضع عن أمّتي الخطأ والنّسيان، وما استكرهوا عليه‏}‏‏.‏ وعن عبد الجبّار بن وائل عن أبيه ‏{‏أنّ امرأة استكرهت على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فدرأ عنها الحدّ‏}‏‏.‏ وفي حدّ المكره على الزّنى خلاف يرجع فيه إلى مصطلح ‏(‏إكراه‏)‏ ‏(‏و ر‏:‏ زنى‏)‏ وهناك شروط أخرى لوجوب كلّ حدّ فصّل، الكلام عليها في أبوابها‏.‏

ما يراعى في إقامة الحدّ‏:‏ يراعى في إقامة الحدّ أمور منها ما يعمّ الحدود كلّها، ومنها ما يخصّ البعض دون البعض‏:‏ ما يراعى في الحدود كلّها‏:‏ الإمامة‏:‏

36 - اتّفق الفقهاء على أنّه لا يقيم الحدّ إلاّ الإمام أو نائبه، وذلك لمصلحة العباد، وهي صيانة أنفسهم وأموالهم وأعراضهم‏.‏ والإمام قادر على الإقامة لشوكته، ومنعته، وانقياد الرّعيّة له قهرا وجبرا، كما أنّ تهمة الميل والمحاباة والتواني عن الإقامة منتفية في حقّه، فيقيمها على وجهه فيحصل الغرض المشروع بيقين، ولأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يقيم الحدود، وكذا خلفاؤه من بعده، وصرّح الحنفيّة باشتراط الإمام أو نائبه لإقامة الحدّ‏.‏

أهليّة الشّهادة عند الإقامة

37 - لو بطلت أهليّة الشّهادة بالفسق أو الرّدّة، أو الجنون، أو العمى، أو الخرس، أو حدّ القذف، أو غيرها بالنّسبة لكلّهم أو بعضهم بحيث ينقص النّصاب لا يقام الحدّ على المشهود عليه، لأنّ اعتراض أسباب الجرح على الشّهادة عند إمضاء الحدّ بمنزلة اعتراضها عند القضاء به، واعتراضها عند القضاء يبطل الشّهادة، فكذا عند الإمضاء في باب الحدود‏.‏ ر‏:‏ ‏(‏قذف‏)‏‏.‏ هذا عند الحنفيّة والمالكيّة‏.‏ ولم نعثر على قول للشّافعيّة والحنابلة في ذلك‏.‏

شروط تخصّ بعض الحدود

البداية من الشّهود في حدّ الرّجم

38 - ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة، وهو رواية عن أبي يوسف إلى أنّ الزّنى إذا ثبت بالشّهود، فالبداية منهم ليست بشرط، ولكن يستحبّ حضورهم، وابتداؤهم بالرّجم، وهذا لأنّ الرّجم أحد نوعي الحدّ فيعتبر بالنّوع الآخر وهو الجلد، والبداية من الشّهود ليست بشرط فيه فكذا في الرّجم‏.‏ ويرى أبو حنيفة ومحمّد وهو إحدى الرّوايتين عن أبي يوسف أنّ البداية من الشّهود شرط في حدّ الرّجم، حتّى لو امتنع الشّهود عن ذلك، أو ماتوا، أو غابوا كلّهم أو بعضهم، لا يقام الرّجم على المشهود عليه، لما روي عن عليّ رضي الله عنه أنّه قال‏:‏ يرجم الشّهود أوّلا، ثمّ الإمام، ثمّ النّاس‏.‏ وكلمة‏:‏ ثمّ ‏"‏ للتّرتيب‏.‏ وفي رواية أنّه قال‏:‏ يا أيّها النّاس‏:‏ إنّ الزّنى زناءان‏:‏ زنى سرّ وزنى علانية ‏;‏ فزنى السّرّ أن يشهد الشّهود، فيكون الشّهود أوّل من يرمي، وزنى العلانية أن يظهر الحبل أو الاعتراف، فيكون الإمام أوّل من يرمي‏.‏ وكان ذلك بمحضر من الصّحابة، ولم ينقل أنّه أنكر عليه أحد فيكون إجماعا‏.‏ ولأنّ في اعتبار هذا الشّرط احتياطا في درء الحدّ، لأنّ الشّهود إذا بدءوا بالرّجم، ربّما استعظموا فعله، فيحملهم ذلك على الرّجوع عن الشّهادة، فيسقط الحدّ عن المشهود عليه‏.‏ وإن ثبت الزّنى بالاعتراف، فالخلاف في حضور الإمام، والبداية منه كالخلاف في حضور الشّهود والبداية منهم‏.‏ عدم خوف الهلاك من إقامة الجلد‏:‏

39 - يشترط أن لا يكون في إقامة الجلد خوف الهلاك‏.‏ لأنّ هذا النّوع من الحدود شرع زاجرا لا مهلكا، وفي الجلد في الحرّ الشّديد، والبرد الشّديد، وجلد المريض، والنّفساء خلاف وتفصيل يرجع فيه إلى‏:‏ زنى ‏"‏ ‏"‏ وقذف»‏.‏

الدّعوى في الحدود والشّهادة بها

40 - الحدود - سوى حدّ القذف - لا تتوقّف على الدّعوى لأنّها لحقّ اللّه تعالى فتقبل الشّهادة فيها حسبة، وإنّما شرطت الدّعوى في حدّ القذف وإن كان حقّ اللّه تعالى فيه غالبا عند بعض الفقهاء، لأنّ المقذوف يطالب القاذف دفعا للعار عن نفسه ظاهرا وغالبا فيحصل ما هو المقصود من شرع الحدّ‏.‏ واختلفوا في السّرقة، فذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه لا يقطع حتّى يدّعيه المالك، وقال المالكيّة يقطع، وبه قال أبو بكر وأبو ثور وابن المنذر، لعموم الآية، ولأنّ موجب القطع قد ثبت‏.‏ وأمّا الشّهادة بالحدود سوى القذف فتجوز بلا دعوى من غير خلاف بين الفقهاء، لشهادة أبي بكرة، وأصحابه على المغيرة من غير تقدّم دعوى، ولشهادة الجارود وصاحبه على قدامة بن مظعون بشرب الخمر، ولم يتقدّمها دعوى، ولأنّ الحقّ حقّ اللّه تعالى، فلم تفتقر الشّهادة به إلى تقدّم دعوى كالعبادات‏.‏ ولأنّ في سائر الحقوق إنّما تكون من المستحقّ، وهذا لا حقّ فيه لأحد من الآدميّين فيدّعيه‏.‏ التّأخير في إقامة الحدود‏:‏ لا خلاف بين الفقهاء في أنّ الحدّ تجب إقامته على الفور إلاّ إذا كان هناك عذر كالمرض وما شابهه، والحمل، والسّكر‏.‏

1 - إقامة الحدّ على المريض ومن شابهه‏:‏

41 - الصّحيح الّذي قطع به الجمهور هو أنّ الرّجم لا يؤخّر للمرض لأنّ نفسه مستوفاة، فلا فرق بينه وبين الصّحيح، وقيل‏:‏ إن ثبت الحدّ بالإقرار أخّر حتّى يبرأ، لأنّه ربّما رجع في أثناء الرّمي، ومثل هذا الخلاف في مسألة الرّجم في شدّة الحرّ أو البرد‏.‏ وإن كان الواجب الجلد أو القطع، فإن كان المرض ممّا يرجى برؤه، فيرى الحنفيّة، والمالكيّة، والشّافعيّة تأخيره وهو قول الخرقيّ من الحنابلة‏.‏ وقال جمهور الحنابلة‏:‏ يقام الحدّ ولا يؤخّر، كما قال أبو بكر في النّفساء، وهذا قول إسحاق وأبي ثور، لأنّ عمر رضي الله عنه أقام الحدّ على قدامة بن مظعون في مرضه، ولأنّ ما أوجبه اللّه تعالى لا يؤخّر بغير حجّة‏.‏ وإن كان المرض ممّا لا يرجى برؤه، أو كان الجاني ضعيف الخلقة لا يحتمل السّياط، فهذا يقام عليه الحدّ في الحال، إذ لا غاية تنتظر، ولكن إذا كان الحدّ جلدا يضرب ضربا يؤمن معه التّلف، كالقضيب الصّغير وشمراخ النّخل‏.‏ فإن خيف عليه من ذلك قال الشّافعيّة والحنابلة‏:‏ جمع ضغث فيه مائة شمراخ فضرب به ضربة واحدة‏.‏ وفي الموضوع تفصيل يرجع فيه إلى مصطلح ‏(‏جلد‏)‏‏.‏

2 - إقامة الحدّ على الحبلى‏:‏

42 - قال ابن المنذر‏:‏ أجمع أهل العلم على أنّه لا يقام الحدّ رجما كان أو غيره على حبلى ولو من زنى حتّى تضع، لئلاّ يتعدّى إلى الحمل، لأنّه نفس محترمة لا جريمة منه‏.‏ ثمّ إن كان الحدّ رجما لم ترجم حتّى تسقيه اللّبأ، ثمّ إذا سقته اللّبأ، فإن كان له من يرضعه، أو تكفّل أحد برضاعه رجمت، وإلاّ تركت حتّى تفطمه ليزول عنه الضّرر‏.‏ لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم رجم الغامديّة بعدما فطمت المولود، وفي حديث آخر قال‏:‏ ‏{‏لا نرجمها وندع ولدها صغيرا ليس له من يرضعه، فقال له رجل من الأنصار، إليّ رضاعه، فرجمها‏}‏‏.‏ وإن كان الحدّ جلدا، فتحدّ بعد الوضع وانقطاع النّفاس إذا كانت قويّة يؤمن معه تلفها، لحديث عليّ رضي الله عنه قال‏:‏ ‏{‏إنّ أمة لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم زنت، فأمرني أن أجلدها، فإذا هي حديث عهد بنفاس، فخشيت إن أنا جلدتها أن أقتلها، فذكرت ذلك للنّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ أحسنت‏}‏ أمّا إن كانت في نفاسها أو ضعيفة يخاف عليها، فالجمهور على أنّه لا يقام عليها الحدّ حتّى تطهر وتقوى ليستوفى الحدّ على وجه الكمال من غير خوف فواته‏.‏

3 - إقامة الحدّ على السّكران‏:‏

43 - لا خلاف بين الفقهاء في أنّ إقامة الحدّ على السّكران تؤخّر حتّى يصحو ليحصل المقصود من إقامة الحدّ، وهو الزّجر، والرّدع، لأنّ غيبوبة العقل أو غلبة النّشوة والطّرب تخفّف الألم‏.‏

إقامة الحدود في المساجد

44 - اتّفق الفقهاء على أنّه تحرم إقامة الحدود في المساجد، لما روى حكيم بن حزام‏:‏ ‏{‏أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن إقامة الحدّ في المساجد‏}‏‏.‏ ولما روى ابن عبّاس أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏{‏لا تقام الحدود في المساجد‏}‏ ولأنّ تعظيم المسجد واجب‏.‏ وفي إقامة الحدود فيه ترك تعظيمه‏.‏ ولا خلاف في إقامتها في الحرم على من ارتكب موجب الحدّ فيه، أمّا من ارتكبه خارج الحرم ولجأ إليه فقد اختلف الفقهاء‏:‏ فذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه لا يستوفى فيه حدّ لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومن دخله كان آمنا‏}‏، ولقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏لا يحلّ لامرئ يؤمن باللّه واليوم الآخر أن يسفك بها دما‏}‏ ‏(‏أي مكّة‏)‏‏.‏ وقالوا‏:‏ يقاطع فلا يبايع ولا يشارى ولا يطعم ولا يؤوى ويضيّق عليه حتّى يخرج فيستوفى منه الحدّ‏.‏ ويرى المالكيّة والشّافعيّة أنّه تستوفى الحدود فيه، لما روى أنس ‏{‏أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم دخل مكّة وعلى رأسه مغفر، فلمّا نزع المغفر، جاءه رجل فقال‏:‏ ابن خطل متعلّق بأستار الكعبة فقال‏:‏ اقتلوه‏}‏‏.‏

ما يراعى عند استيفاء كلّ نوع من أنواع الحدود

أ - حدّ الرّجم‏:‏ يراعى في استيفاء الرّجم ما يلي‏:‏

45 - أن يكون الرّجم في مكان واسع، لأنّه أمكن في رجمه، ولئلاّ يصيب بعضهم بعضا ويحيطون بالمرجوم عند الشّافعيّة والحنابلة، وقال الحنفيّة‏:‏ يصطفّون كصفوف الصّلاة لرجمه، كلّما رجم قوم تنحّوا ورجم آخرون، وأن يكون الرّجم بحجارة معتدلة قدر ما يطيق الرّامي بدون تكلّف، لا بكبيرة خشية التّشويه أو التّذفيف ‏(‏الإجهاز عليه مرّة واحدة‏)‏ ولا بصغيرة خشية التّعذيب‏.‏ ويحفر للمرأة إلى صدرها، هذا عند الحنفيّة والشّافعيّة في قول‏:‏ وهو أيضا قول لدى المالكيّة، لكونه أستر لها، وجاز تركه لسترها بثيابها‏.‏ ويرى المالكيّة في المشهور، والحنابلة في المذهب، وهو قول آخر للشّافعيّة‏:‏ أنّه لا يحفر لها لأنّ أكثر الأحاديث على تركه‏.‏ وللشّافعيّة قول ثالث وهو الأصحّ عندهم‏:‏ أنّه إن ثبت الحدّ بالإقرار لم يحفر لها، وإن ثبت بالبيّنة حفر لها إلى صدرها، وهو قول للمالكيّة والحنابلة أيضا، قال أبو الخطّاب‏:‏ وهذا أصحّ عندي‏.‏ لما روى بريدة أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏رجم امرأة فحفر لها‏}‏ ولأنّه أستر لها، ولا حاجة إلى تمكينها من الهرب لكون الحدّ قد ثبت بالبيّنة فلا يسقط بفعل من جهتها، بخلاف الثّابت بالإقرار، فإنّها تترك على حال لو أرادت الهرب تمكّنت منه، لأنّ رجوعها عن إقرارها مقبول‏.‏ وأمّا الرّجل فلا يحفر له عند الجمهور وفي قول للمالكيّة‏:‏ يحفر للمشهود عليه دون المقرّ لأنّ الرّسول صلى الله عليه وسلم لم يحفر لماعز، قال أبو سعيد رضي الله عنه‏:‏ ‏{‏لمّا أمر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم برجم ماعز خرجنا به إلى البقيع، فواللّه ما حفرنا له ولا أوثقناه، ولكن قام لنا‏}‏‏.‏ ولأنّ الحفر له، ودفن بعضه عقوبة لم يرد بها الشّرع في حقّه، فوجب أن لا تثبت‏.‏ وينظر تفاصيل الموضوع في مصطلح‏:‏ ‏(‏زنى‏)‏ ‏(‏ورجم‏)‏‏.‏

ب - الجلد‏:‏ يراعى في استيفائه ما يلي‏:‏

46 - أن يكون الضّرب بسوط لا عقدة له، ويكون حجمه بين القضيب والعصا، لرواية أنس أنّه ‏{‏كان يؤمر بالسّوط، فتقطع ثمرته‏}‏، وثمرته‏:‏ عقدة أطرافه، ثمّ يدقّ بين حجرين حتّى يلين، ثمّ يضرب به‏.‏ وأن يكون الضّرب ضربا متوسّطا، لقول عليّ رضي الله عنه ضرب بين ضربين، وسوط بين سوطين يعني وسطا‏.‏ ولذلك فلا يبدي الضّارب إبطه في رفع يده، بحيث يظهر إبطه، لأنّ ذلك مبالغة في الضّرب‏.‏ وأن يفرّق الجلد على بدنه خلا رأسه، ووجهه وفرجه، وصدره، وبطنه، وموضع القتل، لأنّ جمعه على عضو واحد قد يفسده‏.‏ وليأخذ كلّ عضو منه حظّه، ولئلاّ يشقّ الجلد، أو يؤدّي إلى القتل‏.‏ وأيضا ضرب ما استثني قد يؤدّي إلى الهلاك حقيقة أو معنى بإفساد بعض الحواسّ الظّاهرة أو الباطنة، ولقول عليّ رضي الله عنه‏:‏ اضرب وأوجع، واتّق الرّأس والوجه‏.‏ ولا يجوز تفريق الضّرب على الأيّام بأن يضرب في كلّ يوم سوطا أو سوطين، لأنّه لا يحصل به الإيلام‏.‏ ولا خلاف بين الفقهاء في أنّه لا يمدّ المحدود ولا يربط ولا تشدّ يده‏.‏ واختلفوا في تجريده‏:‏

47 - فذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّه ينزع ثياب الرّجل خلا إزاره ليستر عورته، وأمّا المرأة فلا تنزع ثيابها إلاّ الفرو والحشو‏.‏ ويرى الشّافعيّة والحنابلة أنّه لا يجرّد من ثيابه، لقول ابن مسعود‏:‏ ليس في ديننا مدّ، ولا قيد ولا تجريد، بل يكون عليه غير ثياب الشّتاء كالقميص والقميصين، صيانة له عن التّجريد، وإن كان عليه فروة، أو جبّة محشوّة نزعت، لأنّه لو ترك عليه ذلك لم يبال بالضّرب‏.‏ والرّجل يضرب قائما، والمرأة جالسة، وتشدّ عليها ثيابها، وتمسك يداها لئلاّ تنكشف، لقول عليّ رضي الله عنه‏:‏ تضرب المرأة جالسة، والرّجل قائما في الحدود، ولأنّ المرأة عورة وهذا أستر لها‏.‏

48 - وأشدّ الجلد في الحدود جلد الزّنى، فجلد القذف، فجلد الشّرب، لأنّ اللّه تعالى خصّ الزّنى بمزيد من التّأكيد بقوله‏:‏ ‏{‏ولا تأخذكم بهما رأفة في دين اللّه‏}‏، ولأنّ ما دونه أخفّ منه عددا، فلا يجوز أن يزيد في إيلامه ووجعه، لأنّ ما كان أخفّ في عدده كان أخفّ في صفته، ولأنّ جناية الزّنى أعظم من جناية الشّرب والقذف‏:‏ أمّا أنّها أعظم من جناية القذف، فلأنّ القذف نسبة إلى الزّنى، فكان دون حقيقة الزّنى‏.‏ وأمّا أنّه أعظم من جناية الشّرب فلأنّ الجلد في الزّنى ثبت بنصّ الكتاب العزيز، ولا نصّ في الشّرب، وإنّما استخرجه الصّحابة الكرام بالاجتهاد، والاستدلال بالقذف فقالوا‏:‏ إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وحدّ المفتري ثمانون‏.‏

ج - القطع‏:‏

49 - تقطع يمين السّارق من زنده وهو مفصل الرّسغ، وتحسم ولا تقطع في حرّ وبرد شديدين، لأنّ الحدّ زاجر لا متلف‏.‏ ويقطع بأسهل ما يمكن، فيجلس ويضبط، لئلاّ يتحرّك فيجني على نفسه وتشدّ يده بحبل، وتجرّ حتّى يبين مفصل الكفّ من مفصل الذّراع، ثمّ يوضع بينهما سكّين حادّ، ويدقّ فوقهما بقوّة، ليقطع في مرّة واحدة‏.‏ وإن علم قطع أسرع من هذا قطع به‏.‏

د - التّغريب‏:‏‏:‏

50 - يغرّب الزّاني البكر - عند من يقول بذلك - إلى مسافة القصر حولا كاملا وفي تغريب المرأة وكيفيّته خلاف وتفصيل سبق إجماله فقرة ‏(‏32‏)‏‏.‏ وينظر تفصيله في ‏(‏زنى وتغريب‏)‏‏.‏

إقامة الحدود في ملأ من النّاس

51 - اتّفق الفقهاء على أنّ الحدود تقام في ملأ من النّاس، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين‏}‏ والنّصّ وإن ورد في حدّ الزّنى لكنّه يشمل سائر الحدود دلالة، لأنّ المقصود من الحدود كلّها واحد، وهو زجر العامّة، وذلك لا يحصل إلاّ أن تكون الإقامة على رأس العامّة، لأنّ الحضور ينزجرون بأنفسهم بالمعاينة، والغيّب ينزجرون بإخبار الحضور، فيحصل الزّجر للكلّ، وفيه منع الجلّاد من مجاوزة الحدّ الّذي جعل له، ودفع التّهمة والميل‏.‏ وفي المراد بالطّائفة في الآية خلاف قيل‏:‏ الطّائفة أقلّها واحد، وقيل‏:‏ اثنان، وقيل‏:‏ ثلاثة، وقيل‏:‏ أربعة، وقيل‏:‏ خمسة، وقيل‏:‏ عشرة، وقيل‏:‏ نفر‏.‏ وينظر تفصيل القائلين بها وأدلّتهم في ‏(‏زنى‏)‏‏.‏

آثار الحدّ

52 - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ الحدّ إن كان رجما يدفع المرجوم بعد قتله إلى أهله، فيصنعون به ما يصنع بسائر الموتى، فيغسّلونه، ويكفّنونه، ويصلّون عليه، ويدفنونه، لما روي ‏{‏أنّ ماعزا لمّا رجم قال عليه الصلاة والسلام‏:‏ اصنعوا به ما تصنعون بموتاكم‏}‏ وصلّى عليّ رضي الله عنه على شراحة‏.‏ ولأنّه مسلم لو مات قبل الحدّ صلّي عليه، فيصلّى عليه بعده كالسّارق‏.‏ ويرى المالكيّة أنّ من قتله الإمام في حدّ لا يصلّي الإمام عليه، لأنّ جابرا قال في حديث ‏{‏ماعز‏:‏ فرجم حتّى مات، فقال له النّبيّ صلى الله عليه وسلم خيرا ولم يصلّ عليه‏}‏‏.‏ وإن كان جلدا فحكم المحدود وغيره سواء في سائر الأحكام من الشّهادة وغيرها بشروطها إلاّ المحدود في القذف خاصّة في أداء الشّهادة، فإنّه تبطل شهادته على التّأبيد، وفي قبول شهادته بعد التّوبة خلاف وتفصيل ذكر في كتاب الشّهادات من كتب الفقه‏.‏ وينظر في مصطلح‏:‏ ‏(‏قذف وشهادة‏)‏‏.‏

حديث النّفس

انظر‏:‏ نيّة‏.‏

حرابة

التّعريف

1 - الحرابة من الحرب الّتي هي نقيض السّلم‏:‏ يقال‏:‏ حاربه محاربة، وحرابا، أو من الحرب‏.‏ بفتح الرّاء‏:‏ وهو السّلب‏.‏ يقال‏:‏ حرب فلانا ماله أي سلبه فهو محروب وحريب‏.‏ والحرابة في الاصطلاح وتسمّى قطع الطّريق عند أكثر الفقهاء هي البروز لأخذ مال، أو لقتل، أو لإرعاب على سبيل المجاهرة مكابرة، اعتمادا على القوّة مع البعد عن الغوث‏.‏ وزاد المالكيّة محاولة الاعتداء على العرض مغالبة‏.‏ وجاء في المدوّنة من كابر رجلا على ماله بسلاح أو غيره في زقاق أو دخل على حريمه في المصر حكم عليه بحكم الحرابة‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

أ - البغي‏:‏

2 - البغي في اللّغة‏:‏ الجور، والظّلم، والعدول عن الحقّ‏.‏ وفي الاصطلاح الشّرعيّ‏:‏ هو الخروج عن طاعة إمام أهل العدل بتأويل غير مقطوع الفساد‏.‏ وفرّق الإمام مالك بين الحرابة والبغي بقوله‏:‏ البغي يكون بالخروج على تأويل - غير قطعيّ الفساد - والمحاربون خرجوا فسقا وخلوعا على غير تأويل ‏"‏

ب - السّرقة‏:‏

3 - السّرقة في اللّغة‏:‏ أخذ الشّيء خفية‏.‏ وفي الاصطلاح‏:‏ أخذه خفية ظلما في حرز مثله، بشروط تذكر في بابها‏.‏ فالفرق أنّ الحرابة فيها مجاهرة ومكابرة وسلاح‏.‏

ج - النّهب، والاختلاس‏:‏

4 - النّهب لغة‏:‏ الغلبة على المال‏.‏ واصطلاحا‏:‏ أخذ الشّيء علانية دون رضا‏.‏ والاختلاس‏:‏ خطف الشّيء بسرعة على غفلة من صاحبه، مع الاعتماد على الهرب‏.‏ فالنّهب والاختلاس كلاهما أخذ الشّيء علانية، والفرق بينهما هو‏:‏ سرعة الأخذ في الاختلاس بخلاف النّهب فإن ذلك غير معتبر فيه‏.‏ أمّا الحرابة فهي الأخذ على سبيل المغالبة‏.‏

د - الغصب‏:‏

5 - الغصب أخذ الشّيء ظلما مع المجاهرة‏.‏ وشرعا‏:‏ الاستيلاء على حقّ الغير بغير حقّ‏.‏ وقيل‏:‏ هو إزالة يد المالك عن ماله المتقوّم على سبيل المجاهرة‏.‏ فالغصب قد يكون بسلاح أو بغير سلاح مع إمكان الغوث‏.‏

الحكم التّكليفيّ

6 - الحرابة من الكبائر، وهي من الحدود باتّفاق الفقهاء، وسمّى القرآن مرتكبيها‏:‏ محاربين للّه ورسوله، وساعين في الأرض بالفساد، وغلّظ عقوبتها أشدّ التّغليظ، فقال عزّ من قائل‏:‏ ‏{‏إنّما جزاء الّذين يحاربون اللّه ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتّلوا أو يصلّبوا أو تقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض‏}‏ إلخ‏.‏ ونفى الرّسول صلى الله عليه وسلم انتسابهم إلى الإسلام فقال في الحديث المتّفق عليه‏:‏ ‏{‏من حمل علينا السّلاح فليس منّا‏}‏‏.‏

الأصل في جزاء الحرابة

7 - الأصل في بيان جزاء الحرابة قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إنّما جزاء الّذين يحاربون اللّه ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتّلوا أو يصلّبوا أو تقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ إلخ‏.‏ وقد أجمع الفقهاء على مشروعيّة حدّ قاطع الطّريق كما سيأتي‏.‏ وحديث العرنيّين عن أبي قلابة عن أنس رضي الله عنه قال‏:‏ ‏{‏قدم رهط من عكل على النّبيّ صلى الله عليه وسلم كانوا في الصّفّة، فاجتووا المدينة فقالوا‏:‏ يا رسول اللّه أبغنا رسلا، فقال ما أجد لكم إلاّ أن تلحقوا بإبل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فأتوها فشربوا من ألبانها وأبوالها حتّى صحّوا وسمنوا وقتلوا الرّاعي واستاقوا الذّود، فأتى النّبيّ صلى الله عليه وسلم الصّريخ، فبعث الطّلب في آثارهم، فما ترجّل النّهار حتّى أتي بهم، فأمر بمسامير فأحميت فكحّلهم وقطّع أيديهم وأرجلهم وما حسمهم، ثمّ ألقوا في الحرّة يستسقون، فما سقوا حتّى ماتوا‏.‏ وقال أبو قلابة‏:‏ سرقوا وقتلوا وحاربوا اللّه ورسوله‏}‏‏.‏

من يعتبر محاربا

8 - المحارب عند الجمهور‏:‏ هو كلّ ملتزم مكلّف أخذ المال بقوّة في البعد عن الغوث‏.‏ وللفقهاء تعريفات أخرى لا تخرج في مفهومها عن هذا المعنى‏.‏ ولا بدّ من توافر شروط في المحاربين حتّى يحدّوا حدّ الحرابة‏.‏ وهذه الشّروط في الجملة هي‏:‏

أ - الالتزام‏.‏

ب - التّكليف‏.‏

ج - وجود السّلاح معهم‏.‏

د - البعد عن العمران‏.‏

هـ - الذّكورة‏.‏

و - المجاهرة‏.‏ ولم يتّفق الفقهاء على هذه الشّروط كلّها، بل بينهم في بعضها اختلاف بيانه كما يلي‏:‏

أ - الالتزام‏:‏

9 - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه يشترط في المحارب‏:‏ أن يكون ملتزما بأحكام الشّريعة، بأن يكون مسلما، أو ذمّيّا، أو مرتدّا، فلا يحدّ الحربيّ، ولا المعاهد، ولا المستأمن‏.‏ واستدلّوا بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إلاّ الّذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم‏}‏ وهؤلاء تقبل توبتهم قبل القدرة، وبعدها، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل للّذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف‏}‏ ولخبر‏:‏ ‏{‏الإسلام يجبّ ما كان قبله‏}‏‏.‏ ولم يلتزموا أحكام الشّريعة، أمّا الذّمّيّ فقد التزم أحكام الشّريعة فله ما لنا، وعليه ما علينا‏.‏ وظاهر عبارة أكثر الشّافعيّة أنّ الذّمّيّ حكمه كحكم المسلم في أحكام الحرابة‏.‏ وأمّا المستأمن فقد وقع الخلاف بينهم في أنّه يكون محاربا أو لا‏.‏

ب - التّكليف‏:‏

10 - لا خلاف بين الفقهاء في أنّ البلوغ والعقل شرطان في عقوبة الحرابة لأنّهما شرطا التّكليف الّذي هو شرط في إقامة الحدود‏.‏ واختلفوا في حدّ من اشترك مع الصّبيّ والمجنون في قطع الطّريق، فذهب الجمهور إلى أنّ الحدّ لا يسقط عنهم وعليهم الحدّ‏.‏ وقالوا‏:‏ لأنّها شبهة اختصّ بها واحد فلم يسقط الحدّ عن الباقين‏.‏ كما لو اشتركوا في الزّنى بامرأة‏.‏ نصّ على ذلك الحنابلة، وهو مقتضى كلام الشّافعيّة والمالكيّة حيث نصّ الشّافعيّة على أنّ شريك الصّبيّ يقتصّ منه، وحصروا مسقطات الحدّ على قاطع الطّريق في توبته قبل القدرة عليه ولم يذكروا مسقطا آخر، ونصّوا على أنّه إذا أمسك رجل هاربا وقتله صبيّ يقتل الممسك عندهم‏.‏ ومقتضى ذلك كلّه أنّ شريك الصّبيّ في قطع الطّريق يحدّ‏.‏ وقال الحنفيّة‏:‏ إذا كان في القطّاع صبيّ أو مجنون أو ذو رحم محرم من أحد المارّة فلا حدّ على أحد منهم، باشر العقلاء الفعل أم لم يباشروا، وقالوا‏:‏ لأنّها جناية واحدة قامت بالكلّ، فإن لم يقع فعل بعضهم موجبا للحدّ، كان فعل الباقين بعض العلّة فلم يثبت به الحكم‏.‏ وقال وأبو يوسف‏:‏ إذا باشر العقلاء الفعل يحدّون‏.‏

ج - الذّكورة‏:‏

11 - ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه لا يشترط في المحارب الذّكورة‏.‏ فلو اجتمع نسوة لهنّ قوّة ومنعة فهنّ قاطعات طريق ولا تأثير للأنوثة على الحرابة، فقد يكون للمرأة من القوّة والتّدبير ما للرّجل فيجري عليها ما يجري على الرّجل من أحكام الحرابة‏.‏ وقال الحنفيّة‏:‏ يشترط في المحارب الذّكورة‏:‏ فلا تحدّ المرأة وإن وليت القتال وأخذ المال، لأنّ ركن الحرابة هو‏:‏ الخروج على وجه المحاربة والمغالبة ولا يتحقّق ذلك في النّساء عادة لرقّة قلوبهنّ وضعف بنيتهنّ، فلا يكنّ من أهل الحرابة‏.‏ ولهذا لا يقتلن في دار الحرب، ولا يحدّ كذلك من يشاركهنّ في القطع من الرّجال، عند أبي حنيفة ومحمّد‏.‏ سواء باشروا الجريمة أم لم يباشروا‏.‏ وقال أبو يوسف‏:‏ إذا باشرت المرأة القتال وأخذ المال، يحدّ الرّجال الّذين يشاركونها، لأنّ امتناع وجوب الحدّ على المرأة ليس لعدم الأهليّة، لأنّها من أهل التّكليف، بل لعدم المحاربة عادة، وهذا لم يوجد في الرّجال الّذين يشاركونها، فلا يمتنع وجوب الحدّ عليهم‏.‏

د - السّلاح‏:‏

12 - اختلف الفقهاء في اشتراط السّلاح في المحارب‏.‏ فقال الحنفيّة والحنابلة‏:‏ يشترط أن يكون مع المحارب سلاح، والحجارة والعصيّ سلاح ‏"‏ هنا ‏"‏ فإن تعرّضوا للنّاس بالعصيّ والأحجار فهم محاربون‏.‏ أمّا إذا لم يحملوا شيئا ممّا ذكر فليسوا بمحاربين‏.‏ ولا يشترط المالكيّة والشّافعيّة حمل السّلاح بل يكفي عندهم القهر والغلبة وأخذ المال ولو باللّكز والضّرب بجمع الكفّ‏.‏

هـ - البعد عن العمران‏:‏

13 - ذهب المالكيّة والشّافعيّة وهو رأي أبي يوسف من الحنفيّة وكثير من أصحاب أحمد إلى أنّه لا يشترط البعد عن العمران وإنّما يشترط فقد الغوث‏.‏ ولفقد الغوث أسباب كثيرة، ولا ينحصر في البعد عن العمران‏.‏ فقد يكون للبعد عن العمران أو السّلطان‏.‏ وقد يكون لضعف أهل العمران، أو لضعف السّلطان‏.‏ فإن دخل قوم بيتا وشهروا السّلاح ومنعوا أهل البيت من الاستغاثة فهم قطّاع طرق في حقّهم‏.‏ واستدلّ الجمهور بعموم آية المحاربة، ولأنّ ذلك إذا وجد في العمران والأمصار والقرى كان أعظم خوفا وأكثر ضررا، فكان أولى بحدّ الحرابة‏.‏ وذهب الحنفيّة وهو المذهب عند الحنابلة إلى اشتراط البعد عن العمران‏.‏ فإن حصل منهم الإرعاب وأخذ المال في القرى والأمصار فليسوا بمحاربين، وقالوا‏:‏ لأنّ الواجب يسمّى حدّ قطّاع الطّرق، وقطع الطّريق إنّما هو في الصّحراء، ولأنّ من في القرى والأمصار يلحقه الغوث غالبا فتذهب شوكة المعتدين، ويكونون مختلسين وهو ليس بقاطع، ولا حدّ عليه‏.‏

و - المجاهرة‏:‏

14 - المجاهرة أن يأخذ قطّاع الطّريق المال جهرا فإن أخذوه مختفين فهم سرّاق، وإن اختطفوا وهربوا فهم منتهبون ولا قطع عليهم‏.‏ وكذلك إن خرج الواحد، والاثنان على آخر قافلة، فاستلبوا منها شيئا، فليسوا بمحاربين لأنّهم لا يعتمدون على قوّة ومنعة‏.‏ وإن تعرّضوا لعدد يسير فقهروهم، فهم قطّاع طرق‏.‏

حكم الرّدء

15 - اختلف الفقهاء في حكم الرّدء أي المعين للقاطع بجاهه أو بتكثير السّواد أو بتقديم أيّ عون لهم ولم يباشر القطع، فذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة إلى أنّ حكمه حكم المباشر، لأنّهم متمالئون وقطع الطّريق يحصل بالكلّ، ولأنّ من عادة القطّاع أن يباشر البعض، ويدفع عنهم البعض الآخر، فلو لم يلحق الرّدء بالمباشر في سبب وجوب الحدّ لأدّى ذلك إلى انفتاح باب قطع الطّريق‏.‏ وقال الشّافعيّة‏:‏ لا يحدّ الرّدء، وإنّما يعزّر كسائر الجرائم الّتي لا حدّ فيها‏.‏

عقوبة المحاربين

16 - لا خلاف بين الفقهاء في أنّ عقوبة المحارب حدّ من حدود اللّه لا تقبل الإسقاط ولا العفو ما لم يتوبوا قبل القدرة عليهم‏.‏ والأصل في ذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إنّما جزاء الّذين يحاربون اللّه ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتّلوا أو يصلّبوا أو تقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدّنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم إلاّ الّذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أنّ اللّه غفور رحيم‏}‏‏.‏

17 - واختلف الفقهاء في هذه العقوبات‏:‏ أهي على التّخيير أم على التّنويع‏.‏ فذهب الشّافعيّة والحنابلة والصّاحبان من الحنفيّة إلى أنّ ‏"‏ أو ‏"‏ في الآية على ترتيب الأحكام، وتوزيعها على ما يليق بها في الجنايات‏:‏ فمن قتل وأخذ المال، قتل وصلب‏.‏ ومن اقتصر على أخذ المال قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى‏.‏ ومن أخاف الطّريق، ولم يقتل، ولم يأخذ مالا نفي من الأرض‏.‏ والنّفي في هذه الحالة عند الشّافعيّة تعزير وليس حدّا، فيجوز التّعزير بغيره ويجوز تركه إن رأى الإمام المصلحة في ذلك‏.‏ وقالوا‏:‏ بهذا فسّر ابن عبّاس الآية فقال‏:‏ المعنى‏:‏ أن يقتّلوا إن قتلوا‏.‏ أو يصلّبوا مع القتل إن قتلوا وأخذوا المال‏.‏ أو تقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف، إن اقتصروا على أخذ المال، أو ينفوا من الأرض، إن أرعبوا، ولم يأخذوا شيئا ولم يقتلوا، وحملوا كلمة ‏"‏ أو ‏"‏ على التّنويع لا التّخيير، كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وقالوا كونوا هودا أو نصارى‏}‏ أي قالت اليهود‏:‏ كونوا هودا وقالت النّصارى‏:‏ كونوا نصارى ولم يقع تخييرهم بين اليهوديّة، والنّصرانيّة‏.‏ وقالوا أيضا‏:‏ إنّه لا يمكن إجراء الآية على ظاهر التّخيير في مطلق المحارب لأمرين‏:‏ الأوّل‏:‏ أنّ الجزاء على قدر الجناية، يزداد بزيادة الجناية، وينقص بنقصانها بمقتضى العقل والسّمع أيضا قال تعالى‏:‏ ‏{‏وجزاء سيّئة سيّئة مثلها‏}‏ فالتّخيير في جزاء الجناية القاصرة بما يشمل جزاء الجناية الكاملة، وفي الجناية الكاملة بما يشمل جزاء الجناية القاصرة خلاف المعهود في الشّرع‏.‏ يزيد هذا إجماع الأمّة على أنّ قطّاع الطّرق إذا قتلوا وأخذوا المال، لا يكون جزاؤهم المعقول النّفي وحده، وهذا يدلّ على أنّه لا يمكن العمل بظاهر التّخيير‏.‏ الثّاني‏:‏ أنّ التّخيير الوارد في الأحكام المختلفة بحرف التّخيير إنّما يجري على ظاهره إذا كان سبب الوجوب واحدا كما في كفّارة اليمين وكفّارة جزاء الصّيد، أمّا إذا كان السّبب مختلفا، فإنّه يخرج التّخيير عن ظاهره ويكون الغرض بيان الحكم لكلّ واحد في نفسه‏.‏ وقطع الطّريق متنوّع، وبين أنواعه تفاوت في الجريمة، فقد يكون بأخذ المال فقط، وقد يكون بالقتل لا غير، وقد يكون بالجمع بين الأمرين، وقد يكون بالتّخويف فحسب، فكان سبب العقاب مختلفا‏.‏ فتحمل الآية على بيان حكم كلّ نوع فيقتّلون ويصلّبون إن قتلوا وأخذوا المال، وتقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف إن أخذوا المال لا غير، وينفون من الأرض، إن أخافوا الطّريق، ولم يقتلوا نفسا ولم يأخذوا مالا‏.‏ ويدلّ أيضا على ذلك‏:‏ أنّ اللّه سبحانه وتعالى‏:‏ بدأ بالأغلظ فالأغلظ والمعهود من القرآن فيما أريد به التّخيير، البداءة بالأخفّ ككفّارة اليمين، وما أريد به التّرتيب يبدأ فيه بالأغلظ فالأغلظ ككفّارة الظّهار، والقتل‏.‏ وقال أبو حنيفة‏:‏ إن أخذ قبل قتل نفس أو أخذ شيء حبس بعد التّعزير حتّى يتوب، وهو المراد بالنّفي في الآية، وإن أخذ مالا معصوما بمقدار النّصاب قطعت يده ورجله من خلاف، وإن قتل معصوما ولم يأخذ مالا قتل‏.‏ أمّا إن قتل النّفس وأخذ المال، وهو المحارب الخاصّ فالإمام مخيّر في أمور ثلاثة‏:‏ إن شاء قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ثمّ قتلهم، وإن شاء قتلهم فقط، وإن شاء صلبهم، والمراد بالصّلب هنا طعنه وتركه حتّى يموت ولا يترك أكثر من ثلاثة أيّام‏.‏ ولا يجوز عنده إفراد القطع في هذه الحالة بل لا بدّ من انضمام القتل أو الصّلب إليه، لأنّ الجناية قتل وأخذ مال، والقتل وحده فيه القتل، وأخذ المال وحده فيه القطع، ففيهما مع الإخاقة لا يعقل القطع وحده‏.‏ وقال‏:‏ صاحباه في هذه الصّورة‏:‏ يصلبون ويقتلون ولا يقطعون‏.‏ وقال قوم من السّلف‏:‏ إنّ الآية تدلّ على التّخيير بين الجزاءات الأربعة‏.‏ فإذا خرجوا لقطع الطّريق وقدر عليهم الإمام، خيّر بين أن يجري عليهم أي هذه الأحكام إن رأى فيه المصلحة وإن لم يقتلوا ولم يأخذوا مالا‏.‏ وإلى هذا ذهب الإمام مالك على التّفصيل التّالي‏:‏ وهو إن قتل فلا بدّ من قتله، إلاّ إن رأى الإمام أنّ في إبقائه مصلحة أعظم من قتله‏.‏ وليس له تخيير في قطعه، ولا نفيه، وإنّما التّخيير في قتله أو صلبه‏.‏ وإن أخذ المال ولم يقتل لا تخيير في نفيه، وإنّما التّخيير في قتله، أو صلبه، أو قطعه من خلاف، وإن أخاف السّبيل فقط فالإمام مخيّر بين قتله، أو صلبه، أو قطعه، باعتبار المصلحة‏.‏ هذا في حقّ الرّجال‏.‏ أمّا المرأة فلا تصلب، ولا تنفى، وإنّما حدّها‏:‏ القطع من خلاف، أو القتل المجرّد واستدلّوا بظاهر الآية، فإنّ اللّه تعالى ذكر هذه العقوبات بكلمة ‏"‏ أو ‏"‏ وهي موضوعة للتّخيير، وهو مذهب سعيد بن المسيّب ومجاهد، والحسن وعطاء بن أبي رباح‏.‏ وقال ابن عبّاس‏:‏ ما كان في القرآن ‏"‏ أو ‏"‏ فصاحبه بالخيار‏.‏

كيفيّة تنفيذ العقوبة

أ - ‏(‏النّفي‏)‏‏:‏

18 - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه إن أخاف الطّريق ولم يأخذ مالا ولم يقتل نفسا فعقوبته النّفي من الأرض‏.‏ واختلفوا في معنى النّفي فقال أبو حنيفة‏:‏ نفيه حبسه حتّى تظهر توبته أو يموت‏.‏ وذهب مالك‏:‏ إلى أنّ المراد بالنّفي إبعاده عن بلده إلى مسافة البعد، وحبسه فيه‏.‏ وقال الشّافعيّ‏:‏ المراد بالنّفي الحبس أو غيره كالتّغريب كما في الزّنى‏.‏ وقال الحنابلة‏:‏ نفيهم‏:‏ أن يشرّدوا فلا يتركوا يستقرّون في بلد‏.‏ ويروى ذلك عن ابن عبّاس، وهو قول النّخعيّ وقتادة، وعطاء، وروي عن ابن عبّاس‏:‏ أنّه ينفى من بلده إلى بلد غيره كنفي الزّاني‏.‏ وأمّا المرأة فذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّها تغرّب واستدلّوا لذلك بعموم النّصّ ‏{‏أو ينفوا من الأرض‏}‏‏.‏ واشترطوا لتغريب المرأة أن يخرج معها محرمها فإن لم يخرج معها محرمها فعند أحمد رواية أنّها تغرّب إلى دون مسافة القصر لتقرب من أهلها فيحفظوها‏.‏ وعند الشّافعيّة يؤخّر التّغريب‏.‏ وذهب المالكيّة إلى أنّه لا تغريب على المرأة ولا صلب‏.‏

ب - القتل‏:‏

19 - اختلف الفقهاء فيما يغلّب في قتل قاطع الطّريق، إذا قتل فقط‏.‏ فذهب الحنفيّة والمالكيّة وهو قول عند الشّافعيّة والحنابلة‏:‏ إلى أنّه يغلّب الحدّ، فيقتل وإن قتل بمثقل، ولا يشترط التّكافؤ بين القاتل والمقتول، فيقتل الحرّ بالعبد، والمسلم بالذّمّيّ، كما لا عبرة بعفو مستحقّ القود‏.‏ وقال الشّافعيّة في الرّاجح عندهم، والحنابلة في إحدى روايتين لأحمد‏:‏ يغلّب جانب القصاص لأنّه حقّ آدميّ، وهو مبنيّ على المضايقة فيقتل قصاصا أوّلا، فإذا عفا مستحقّ القصاص عنه يقتل حدّا، ويشترط التّكافؤ بين القاتل والمقتول، لخبر‏:‏ ‏{‏لا يقتل مسلم بكافر‏}‏ وعلى هذا إذا قتل مسلم ذمّيّا، أو الحرّ غير حرّ، ولم يأخذ مالا، لم يقتل قصاصا، ويغرم دية الذّمّيّ، وقيمة الرّقيق‏.‏

ج - القطع من خلاف‏:‏

20 - يراعى في كيفيّة القطع ما يراعى في قطع السّارق‏.‏ وينظر مصطلح‏:‏ ‏(‏سرقة‏)‏‏.‏

د - الصّلب‏:‏

21 - اختلف الفقهاء في وقت الصّلب، ومدّته‏:‏ فقال الحنفيّة والمالكيّة‏:‏ يصلب حيّا، ويقتل مصلوبا‏.‏ وقال الحنفيّة‏:‏ يترك مصلوبا ثلاثة أيّام بعد موته‏.‏ وعند المالكيّة تحدّد مدّة الصّلب باجتهاد الإمام‏.‏ وفي قول للشّافعيّة‏:‏ إنّه يصلب حيّا للتّشهير به ثمّ ينزل فيقتل‏.‏ وقال الشّافعيّة في المعتمد والحنابلة‏:‏ يصلب بعد القتل، لأنّ اللّه تعالى قدّم القتل على الصّلب لفظا‏.‏ فيجب تقديم ما ذكر أوّلا في الفعل كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إنّ الصّفا والمروة من شعائر اللّه‏}‏‏.‏ ولأنّ في صلبه حيّا تعذيبا له‏.‏ وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏إنّ اللّه كتب الإحسان على كلّ شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة‏}‏‏.‏ وعلى هذا الرّأي‏:‏ يقتل، ثمّ يغسّل، ويكفّن، ويصلّى عليه، ثمّ يصلب، ويترك مصلوبا ثلاثة أيّام بلياليها ولا يجوز الزّيادة عليها‏.‏ وينظر تفصيل ما يتّصل بالصّلب في مصطلح‏:‏ ‏(‏تصليب‏)‏‏.‏

ضمان المال والجراحات بعد إقامة الحدّ

22 - إذا أقيم الحدّ على المحارب، فهل يضمن ما أخذه من المال، ويقتصّ منه للجراحات ‏؟‏ اختلف الأئمّة في ذلك‏:‏ فقال المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة‏:‏ إذا أخذ المحاربون مالا وأقيم عليهم الحدّ ضمنوا المال مطلقا‏.‏ ثمّ صرّح الحنابلة أنّه يجب الضّمان على الآخذ فقط، لا على من كان معه ولم يباشر الأخذ، وهو مقتضى كلام الشّافعيّة‏.‏ وقالوا‏:‏ لأنّ وجود الضّمان ليس بحدّ فلا يتعلّق بغير المباشر له كالغصب والسّرقة‏.‏ وقال المالكيّة‏:‏ يعتبر كلّ واحد منهم ضامنا للمال المأخوذ بفعله أو بفعل صاحبه لأنّهم كالحملاء ‏(‏الكفلاء‏)‏ فكلّ من قدر عليه منهم أخذ بجميع ما أخذه هو وأصحابه لتقوّي بعضهم ببعض، ومن دفع أكثر ممّا أخذ يرجع على أصحابه‏.‏ أمّا الجراحات فقال الشّافعيّة، والحنابلة‏:‏ إذا جرح جرحا فيه قود فاندمل لم يتحتّم به قصاص في الأظهر عند الشّافعيّة بل يتخيّر المجروح بين القود والعفو على مال أو غيره لأنّ التّحتّم تغليظ لحقّ اللّه، فاختصّ بالنّفس كالكفّارة، ولأنّ الشّرع لم يرد بشرع الحدّ في حقّ المحارب بالجراح، فبقي على أصله في غير الحرابة‏.‏ وفي قول عند الشّافعيّة وإحدى روايتين لأحمد‏:‏ يتحتّم فيه القصاص كالنّفس لأنّ الجراح تابعة للقتل فيثبت فيها مثل حكمه‏.‏ والقول الثّالث للشّافعيّة‏:‏ يتحتّم في اليدين والرّجلين لأنّهما ممّا يستحقّان في المحاربة دون غيرهما‏.‏ أمّا إذا سرى الجرح إلى النّفس فمات المجروح يتحتّم القتل‏.‏ وذهب الحنفيّة إلى أنّه إذا أخذ المحاربون مالا وأقيم عليهم الحدّ فإن كان المال قائما ردّوه، وإن كان تالفا أو مستهلكا لا يضمنونه، لأنّه لا يجمع عندهم بين الحدّ والضّمان، وكذلك الجراحات سواء كانت خطأ أم عمدا، لأنّه إذا كانت خطأ، فإنّها توجب الضّمان، وإن كانت عمدا، فإنّ الجناية فيما دون النّفس يسلك بها مسلك الأموال، ولا يجب ضمان المال مع إقامة الحدّ فكذلك الجراحات‏.‏

ما تثبت به الحرابة

23 - لا خلاف بين الفقهاء في أنّ جريمة الحرابة تثبت قضاء بالإقرار، أو بشهادة عدلين‏.‏ وتقبل شهادة الرّفقة في الحرابة، فإذا شهد على المحارب اثنان من المقطوع عليهم لغيرهما ولم يتعرّضا لأنفسهما في الشّهادة قبلت شهادتهما، وليس على القاضي البحث عن كونهما من المقطوع عليهم، وإن بحث لم يلزمهم الإجابة، أمّا إذا تعرّضوا لأنفسهما بأن يقولا‏:‏ قطعوا علينا الطّريق، ونهبوا أموالنا لم يقبلا، لا في حقّهما ولا في حقّ غيرهما للعداوة‏.‏ وقال مالك‏:‏ تقبل شهادتهم في هذه الحالة، وتقبل عنده في الحرابة شهادة السّماع‏.‏ حتّى لو شهد اثنان عند الحاكم على رجل اشتهر بالحرابة أنّه هو المشتهر بالحرابة تثبت الحرابة بشهادتهما وإن لم يعايناه‏.‏ وتفصيل ذلك في مصطلحي‏:‏ ‏(‏شهادة وإقرار‏)‏‏.‏

سقوط عقوبة الحرابة

24 - يسقط حدّ الحرابة عن المحاربين بالتّوبة قبل القدرة عليهم، وذلك في شأن ما وجب عليهم حقّا للّه، وهو تحتّم القتل، والصّلب، والقطع من خلاف، والنّفي، وهذا محلّ اتّفاق بين أصحاب المذاهب الأربعة‏.‏ واستدلّوا بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إلاّ الّذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم‏}‏ فاللّه سبحانه وتعالى قد أوجب عليهم الحدّ، ثمّ استثنى التّائبين قبل القدرة عليهم‏.‏ أمّا حقوق الآدميّين فلا تسقط بالتّوبة‏.‏ فيغرمون ما أخذوه من المال عند الجمهور وعند الحنفيّة إن كان المال قائما، ويقتصّ منهم إذا قتلوا على التّفصيل السّابق، ولا يسقط إلاّ بعفو مستحقّ الحقّ في مال أو قصاص‏.‏

حراسة

التّعريف

1 - الحراسة في اللّغة اسم مصدر من حرس الشّيء يحرسه ويحرسه حرسا، حفظه حفظا مستمرّا، وهو أن يصرف الآفات عن الشّيء قبل أن تصيبه صرفا مستمرّا، فإذا أصابته فصرفها عنه سمّي تخليصا، واشتقاقه من الحرس وهو الدّهر‏.‏ وحرس أيضا إذا سرق فالفعل من الأضداد عند العرب، ويطلقون على الشّاة يدركها اللّيل قبل رجوعها إلى مأواها فتسرق، حريسة‏.‏ وفي الاصطلاح لا يخرج عن المعنى اللّغويّ وهو حفظه الشّيء حفظا مستمرّا

الألفاظ ذات الصّلة

أ - الرّباط‏:‏

2 - هو الإقامة بالثّغر تقوية للمسلمين على الكفّار، والثّغر كلّ مكان يخيف أهله العدوّ ويخيفهم، وأصل الرّباط من رباط الخيل لأنّ هؤلاء يربطون خيولهم وهؤلاء يربطون خيولهم كلّ يعدّ لصاحبه فسمّي المقام بالثّغر رباطا وإن لم يكن فيه خيل‏.‏ وقد روي في فضل الرّباط أحاديث منها ما روى سلمان رضي الله عنه قال‏:‏ سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏{‏رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الّذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه وأمن الفتّان‏}‏‏.‏ فالرّباط أخصّ من الحراسة لأنّه حراسة لثغر بالإقامة فيه ب - الحمى‏:‏

3 - الحمى يكون في بقعة موات لرعي نعم جزية أو صدقة، ويكون بمنع الإمام النّاس من رعيها إذا لم يضرّ بهم، لأنّه ‏{‏حمى النّقيع لخيل المسلمين‏}‏‏.‏ وعن البخاريّ أنّ الزّهريّ قال‏:‏ بلغنا ‏{‏أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم حمى النّقيع‏}‏، وأنّ عمر حمى الشّرف والرّبذة‏.‏ فالحمى حراسة بقعة معيّنة حتّى لا يرعاها غير نعم الجزية أو الصّدقة‏.‏

الحكم التّكليفيّ

4 - يختلف حكم الحراسة باختلاف أحوالها وتعتريها الأحكام الخمسة‏:‏ فتكون الحراسة واجبة كحراسة طائفة من الجيش للأخرى الّتي تصلّي صلاة الخوف عملا بقول ربّنا جلّ وعلا ‏{‏وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصّلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلّوا فليصلّوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ودّ الّذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إنّ اللّه أعدّ للكافرين عذابا مهينا‏}‏‏.‏ وفي تفصيل ذلك ينظر مصطلح ‏(‏صلاة الخوف‏)‏‏.‏ وتكون مستحبّة كالحراسة والمرابطة في الثّغور تطوّعا وفي غير تهديد العدوّ لنا، لحديث سلمان رضي الله عنه السّابق‏.‏ ومنها الحراسة في الغزو تطوّعا جاء في فضلها قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏من حرس من وراء المسلمين متطوّعا لا يأخذه سلطان لم ير النّار بعينيه إلاّ تحلّة القسم‏}‏ وقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏عينان لا تمسّهما النّار عين بكت من خشية اللّه وعين باتت تحرس في سبيل اللّه‏}‏‏.‏ وتكون مباحة كمن يؤجّر نفسه لحراسة مباح كحارس الثّمار والأسواق وما شابه ذلك‏.‏ وتكون محرّمة كحراسة ما يؤدّي إلى فساد الدّين‏.‏‏.‏‏.‏ ومن ذلك حراسة أماكن اللّهو المحرّم والخمر والفجور ونحوها‏.‏

حكم استخدام الكلب وما شابه للحراسة

5 - اتّفق الفقهاء في الجملة على جواز استخدام الكلب للحراسة، لحديث أبي هريرة مرفوعا ‏{‏من اتّخذ كلبا إلاّ كلب ماشية أو صيد أو زرع انتقص من أجره كلّ يوم قيراط‏}‏ أمّا في حكم ضمان الحارس فخلاف وتفصيل ينظر في مصطلح‏:‏ ‏(‏ضمان‏)‏ و ‏(‏وديعة‏)‏‏.‏

حرام

انظر‏:‏ تحريم‏.‏

حرب

انظر‏:‏ جهاد

حربيّ

انظر‏:‏ أهل الحرب، دار الحرب‏.‏